لفلي سمايل

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

تاريخ الإضافة : 19-6-1436 هـ
 

الباب الثالث:

دويلات الطوائف وملوك المغرب

 

الفصل الثالث: عهد الموحدين

 

ثالثاً: يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب عام 560هـ - 1165م

 

* الصراع مع الخائن ابن مردنيش:

- أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بويع له وكان عمره في الخامسة والعشرين، ولقب بالأمير إلى أن اكتملت له البيعة عام 560هـ فلقب بأمير المؤمنين، صرف الجيوش التي كانت مجتمعة للجهاد مع والده، وعاد إلى مراكش، وكان أول عمل بادر إليه هو محاربة ابن مردنيش في إمارته، وكان ابن مردنيش يكرر هجماته على بطليوس وقرطبة، فأرسل جيشاً يقوده أخوه أبو حفص بن عبد المؤمن من مراكش، وعبر البحر، ووصل هذا الجيش إلى إشبيلية في ذي القعدة سنة 560هـ، وسار من بعد نحو الشمال الشرقي حتى وصل إلى حدود إمارة ابن مردنيش واستولى على عدد من معاقله، ثم اتجه أبو حفص مع جنده حتى وصل مشارف "لورقة" على الطريق إلى مرسية.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

بحيرة رائعة داخل أحد القصور

 

* معركة فحص الجلاب:

- كان ابن مردنيش قد حشد قواته وفيهم عدد كبير من مرتزقة النصارى ليصد الموحدين الذين غيروا وجهتهم قبل "لورقة" ووصلوا إلى فحص مرسية على بعد اثني عشر كيلومتراً جنوب المدينة يعرف باسم (فحص الجلاّب)، فالتقى الفريقان هناك، وتعاهد الموحدون على الثبات والصبر، والاستشهاد في سبيل الله، ونشبت بين الجيشين معركة هائلة ثم رجحت كفة الموحدين، وهزم ابن مردنيش في فلول قواته إلى مرسية ليلاً، وتحصن بأسوارها، وكانت هذه الهزيمة من أقسى الضربات التي أصابته، وكانت بداية انحسار إمارته وثورته.

- واتجه اهتمام الموحدين بعد معركة فحص الجلاّب لتنظيم حكم الأندلس، وضبط أحوال الناس، ونشر العدل ورفع الظلم، وألا يعدم أحد إلا بعد إدانة صريحة وبيانٍ وافٍ، وأن يأخذ القضاة منتهى الحذر من ظلم أحد أو حيف يقع على أحد، وكذلك وضعوا حاميات متعددة في الأماكن التي أخذت من إمارة ابن مردنيش.

- وبينهم وبين مملكة البرتغال حوادث تكاد تكون متواصلة ولكن دون حسم يذكر لأحد الفرقاء.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

إحدى القناطر المنشأة على أحد الأنهار الأندلسية

* نهاية ابن مردنيش:

- أنشأ ابن مردنيش بعد معركة فحص الجلاب علاقات ودية متينة بينه وبين ألفونسو الثامن ملك قشتالة، ولذلك كانت توجد قوة ضخمة العدد من الجند النصراني في بلنسية يعبثون، ويزعجون ويظلمون، مما جعل المسلمين يخرجون منها إلى الأطراف، وزاد شعور الكره على ابن مردنيش في هذه السنوات.

- وزاد موقفه ضعفاً خروج بعض قادته عليه والتحاقهم بالموحدين، وكان ممن خرج عليه صهره أبو امرأته "ابن هَمْشُك"، وكذلك صهره يوسف بن هلال وزوج أخته، وكان ابن مردنيش ينتقم بصورة وحشية إذا تمكن من مخالفيه، فقد فقأ عيني صهره ابن هلال لما أسرته بعض سراياه، ولما غضب على وزيريه هدم عليهما الحائط، أما إذا لم يتمكن منهم فينتقم من أقاربه، فقد أمر بقتل أخته وابنته انتقاماً من ابن عم له يدعى محمد بن مردنيش المعروف بصاحب البسيط.

- واختل عقل ابن مردنيش وفقد صوابه، ولم تعد ترتاح نفسه إلا برؤية الدماء، وأحس بالظن السيئ بكل إنسان حتى من أقرب المقربين إليه.

 

* عام 566هـ - 1171م وفاة ابن مردنيش:

- ولما قدم يوسف بن عبد المؤمن إلى الأندلس عام 566هـ وكان سبب تأخره لهذا العام مرض ألم به، فلما شفي جاء للقيام بأعمال جهادية، ولمقاومة التمدد النصراني من الشمال والغرب، أيقن ابن مردنيش أن نهايته قد اقتربت، وتوقع أن تكون هذه النهاية مرعبة ورهيبة، كما تدين تُدان، فرفض أن يفكر بالاستسلام ولو مجرد تفكير إذ يعلم ما قدمت يداه، ثم طار صوابه نهائياً حين انضم أخوه يوسف بن سعيد بن مردنيش إلى الموحدين، جاءه الموت ينقذه من أن يقع بين يدي أعدائه، وكان ذلك في رجب سنة 567هـ، فأعلن ابنه هلال الخضوع لأمير المؤمنين أبي يعقوب، وانتهت هذه الإمارة التي دامت أكثر من عشرين عاماً أقضت مضاجع المسلمين في الأندلس.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

قصر مبني في عصر الموحدين

 

* عام 571هـ - 1176م أعمال يوسف في  الأندلس:

- أقام أبو يعقوب في الأندلس خمس سنوات، وقام بعدة محاولات حربية لدعم الوجود الموحدي لم تثمر بشيء يذكر، كما هاجمهم ملوك إسبانيا النصرانية عدة مرات، وكان الموحدون يردونها، وقام بأعمال عمرانية جليلة منها بناء قنطرة عظيمة على نهر الوادي الكبير تصل مابين إشبيلية و طُربانة، وكذلك أمر بإنشاء الجامع الأعظم في إشبيلية إذ استقر فيها حوالي خمس سنوات، ثم عاد الخليفة إلى المغرب عام 571هـ.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

كتاب عن طب الأعشاب وقد دونه وعمل به المسلمون في الأندلس قبل أوروبا بعدة قرون

 

* المواجهة مع النصارى:

- وقد نقض فرناندو العهد، وأغار على بلاد المسلمين في الأندلس، مما جعل ابن عبد المؤمن ينتقل مرة أخرى إلى الأندلس، لمتابعة القتال ليس على جهة حاكم ليون في شمال الغرب فحسب، لقد انقلب الوضع إلى أحداث خطيرة، فكان على الموحدين أن يقاتلوا على ثلاث جبهات: جبهة مملكة ليون، وجبهة مملكة البرتغال، وجبهة مملكة قشتالة، وذلك في عام 580هـ، لقد كانت الحرب ضروساً مع كل الجبهات، وبخاصة على جبهة مملكة قشتالة وملكهم ألفونسو الثامن.

 

* عام 580هـ - 1184م معركة شنترين:

- اتجه أمير المؤمنين بجيشه نحو مدينة شنترين وهي من أهم المدن التي تقع في غرب الأندلس شمال شرق لشبونة على بعد خمسين كيلومتراً منها، وكانت قد سقطت بيد البرتغاليين سنة 542هـ، فأحكم الموحدون الحصار عليها، وكان البرتغاليون قد أعدوا إعداداً قوياً ومتيناً للدفاع عنها، فجرت عدة معارك عنيفة بين الموحدين وحاميتها، وقدموا خسائر كثيرة وشهداء، ولكن دفاع البرتغاليين منعهم من تحقيق هدفهم، واستمر القتال أياماً دون أن يستطيع الموحدون إنهاء المعركة لصالحهم، وإذا بأمر من أمير المؤمنين في اليوم السادس:

 

* المفاجأة:

- مفاجأة مذهلة، وأمر غريب وشأن عجيب: أمر الخليفة أبو يعقوب بالكف عن القتال وترك الهجوم، ثم تلاه بأمر آخر بتغيير مكان تجمع الجيش وقواته من طرف إلى جهة أخرى من المدينة! ويا للعجب!

- ما الذي حدث؟ ولم ترك الهجوم؟ ولم هذا التحول؟

- مع أن هذا الجيش يزيد على مائة ألف كما ذكره المؤرخون، حتى قال أحدهم وكان في الحملة ذاتها: (فتعجب الناس من هذا الرأي في الانتقال والارتحال! وتعطلت في النفوس جميع الآمال، وظهر الخلل في جميع الأحوال).

- تلك التساؤلات السابقة لم تجد جواباً شافياً! وما تزال من خفايا التاريخ، ولم انسحب هذا الجيش اللجب بعد أن كادت شنترين تسقط.

 

* الانسحاب:

- وانسحب معظم الجيش ليلاً بالضجيج والهرج، وعلا الصياح حول المدينة وابتعدوا عنها متوجهين نحو الداخل، وابن عبد المؤمن لا يدري من ذلك شيئاً، فلما أصبح الصباح وجدت حامية شنترين من النصارى الخليفة وحوله قلة من الجيش والحرس، فهجمت هجمة شرسة وبشدة، واستطاعت أن تصل إلى مقره وتجرحه جرحاً بليغاً، إلا أن مؤخرة الجيش الموحدي تمكنت من ردها على أدبارها.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

حامية شنترين من النصارى في هجمة شرسة على مقر الخليفة

 

* عام 580هـ - 1184م وفاة الأمير:

- حمل أمير المؤمنين على محفة وهو جريح مريض، يشرف عليه الأطباء منهم ابن زهر وابن طفيل، وتم عبور نهر التاج، وبعد مدة وجيزة توفي متأثراً بجراحه في شهر ربيع الآخر عام 580هـ، وذكر عنه معاصروه.

- كان رحمه الله فاضلاً عدلاً، مستظهراً للقرآن، عالماً بالحديث، وكان أعرف الناس كيف تكلمت العرب، وأحفظهم بأيامها ومآثرها، وكان يحب العمران ومشاريعه، وكان أجل شيء عرف به هو حبه للجهاد، وقد مات في طريقه.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

المسجد الكبير في قرطبة: ويبدو منظر المحراب واضحاً بين أعمدته والأقواس المتشابكة في منظر هندسي رائع ليدل على مدى الوعي الفني

 

* الفيلسوف اليهودي العربي موسى بن ميمون:

- في هذه الفترة لمع نجم الفيلسوف اليهودي العربي أبو عمران موسى بن ميمون واسمه العبري موشيه بن ميمون وكان لقبه المختصر عند اليهود (رامبام) كما عرف عند الغرب باسم موسى مايمونيديس والعلماء يختصرون اسمه (مويسيس).

- تأثر فكره بآراء ابن الفارابي الفلسفية بل إن البعض يجعله ناقلا لآراء ابن الفارابي.

- كما أنه كان بارعا في الطب حيث استفاد الغرب منه كثيرا وكذلك العرب والمسلمون.

- ولد ابن ميمون في قرطبة عام 529هـ الموافق 1135م وعاش بها في الحي اليهودي هناك حيث استفاد كغيره من الحرية والمساواة التي انتشرت في ظل الحكم الإسلامي للأندلس، ونشر آراءه في الفلسفة والطب واشتهر بهما.

- لكنه تعرض لضغوطات في ظل حكم الموحدين جعلته يغادر الأندلس إلى مدينة فاس المغربية، لكن بعض الروايات تقول إن هجرته إلى المغرب كانت بطلب من أمير الموحدين الذي كان يدني العلماء حتى يكونوا قريبين من دار الخلافة، ثم بعد ذلك توجه إلى مصر حيث أصبح الطبيب الخاص للقائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، وقد توفي ابن ميمون في القاهرة سنة 600هـ الموافق 1204م.

- اشتهر ابن ميمون ي هذه الفترة التي كانت عصراً ذهبياً بالنسبة لليهود والتي ضمنها لهم العدل الإسلامي ولكن السؤال: كيف كانت معاملة اليهود للمسلمين حين احتلوا  فلسطين؟!.

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

تمثال من الحجر في إسبانيا للفيلسوف والعالم العربي اليهودي موسى بن ميمون

 

* معرض عن الفيلسوف ابن ميمون:

- أقام المتحف اليهودي في فرانكفورت معرضا صغيرا عن حياة ابن ميمون وأعماله بمناسبة الذكرى الثمانمائة لوفاته، وذلك في معرض الكتاب في فرانكفورت لعام 2004، وقد أُظهرت فيه يهودية ابن ميمون وطُمست استفادته من ذلك العصر الإسلامي، الذي كان نقلة عظيمة في تاريخ الحضارة الغربية خصوصاً والعالمية عموماً.

 

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

رسم تقريبي للفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون

 

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

معبد يهودي في الأندلس في فترة تواجد المسلمين فيها مما يدل على سماحة وعدل الإسلام مع الديانات الأخرى

 

يوسف بن عبد المؤمن ومعركة فحص الجلاب - عهد الموحدين

قصر أندلسي في إشبيلية

مواضيع ذات صلة

محمد (الأول) بن عبد الرحمن الأندلس التاريخ المصور محمد (الأول) بن عبد الرحمن

إضف تعليقك

فضلا اكتب ماتراه فى الصورة

تعليقات الزوار (0)

ملاحظة للأخوة الزوار : التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع لفلي سمايل أو منتسبيه، إنما تعبر عن رأي الزائر وبهذا نخلي أي مسؤولية عن الموقع..