لفلي سمايل

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

تاريخ الإضافة : 29-6-1433 هـ

الباب الثاني: الدولة الأموية في الأندلس

 

الفصل الثالث: عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر

 

سادساً: الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

 

* عام 350هـ - 961م على نهج أبيه:

- لقب الحكم بالمستنصر، وبويع له وعمره سبع وأربعون سنة، استلم الأمانة من والده، فتابع السير بالأندلس على النهج الذي سار عليه والده من قبل، وعلى الطريق الذي رسم، وليس من الغرابة بمكان أن يكون عهد الابن لعهد الأب في الظاهر والمضمون وقد قيل عنه: جرى على رسم والده ولم يفقد من ترتيبه إلا شخصه، لقد كان والده قد أعده أثناء حياته لهذا.

- اعتلى الحَكمَ سريَر الملك ثاني يوم وفاة والده يوم الخميس ثالث شهر رمضان من عام 350هـ وقام بأعباء الملك خير قيام، وكانت الأندلس مستقرة ثابتة، حدودها آمنة، وتتمتع بالتقدم والعمران.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

ساحة الأسود الرائعة في قصر الحمراء

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

رسم يوضح التقدم العلمي في هندسة جر المياه

 

* عاشق الكتب وقصة المسجد:

- كان الحكم عالماً كبيراً يلقبونه "عاشق الكتب"، يحضر المجالس العلمية، وينشئ الجامعات والمدارس والمكتبات العامة، ويجلب الكتب إلى الأندلس من البلاد الإسلامية، وقد جعل تاجراً خاصاً يرسله إلى البلاد ليشتري له، سمع بكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، فأرسل وفداً لشرائه، ودفع لمصنفه  ألف دينار من الذهب ليشتري النسخة الأولى منه.

- وكان عالماً بالأنساب والأسماء، حافظاً للتاريخ محباً للعمران، فكان أول عمل قام به: أن وسّع مسجد قرطبة "الجامع الكبير"، الذي تقام فيه الجمعة الأعياد بالإضافة إلى الصلوات الخمس، وقد حدثت قصة طريفة لما أتم التوسعة، وذلك أن للناس امتنعوا أن يأتوا إلى المسجد، فاستغرب الحكم الثاني هذا! وسأل من حوله ما الأمر؟ وما السبب  الذي منع الناس أن يقصدوا جامعة؟ قالوا: لقد انتشر بين الناس: أنك بنيت توسعته على أسس من مال حرام!! فأرسل إلى علماء قرطبة وأعيانها وأهل الفضل منها يجتمعون عنده، ثم قام فحلف أيمانا مغلطة أنه ما جعل في هذا البناء شيئاً حراماً ولو يسيراً، وإنما بناه من أخماس بيت المال، عند ذلك توافد الناس إليه، وأقيمت الصلوات فيه.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

صندوق من العاج ورثه الحكم عن أبيه الناصر

 

- تلك هي التقوى، تولد حساسية لدى المسلمين بالتحري عن الحلال في كل شيء، فهل تعود إلى مجتمعاتنا؟ وتفعل فعلها في حياتنا؟.

- كذلك أمر ببناء ثغر قريب من مدينة "طليطلة"، وجعله قوياً محكماً ليصدّ غارات الأعداء عن هذه المدينة.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

مخطوطة لكتاب الاستكمال ليوسف المؤتمن ( معالجة الهندسة )

 

* الجهاد على الأعداء في عصره:

1- طمع القوط "من نصارى الشمال الغربي في الأندلس" سنة 350هـ  أي بعد تولي الحكم الثاني مباشرة، فهاجموا ثغور المسلمين، فتوجه الجيش الإسلامي بأمر من المستنصر وتقدم في بلادهم ، وفتح حصناً من أشد حصونهم يدعى "سانت استيفان".

- وبرهن المستنصر أن الأندلس ما زالت قوية كما كانت زمن والده، لذلك أرسلوا إليه يطلبونه الصلح والمعاهدة.

 

2- قامت مجموعة أخرى من شمال الأندلس "ليون" تحذو حذو الشمال الغربي بالهجوم على ثغور الحدود، فأرسل الحكم الثاني جيشاً يقوده قائده الشهير "غالب بن عبد الرحمن الناصري"، فردها خائبة، وأمّن الثغور هناك.

 

3- وفي عام 352هـ ، نقض "غرسية بن شانجة الأول" حاكم البشكنس العهد { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خائنة مِّنْهُمْ } المائدة: 13.

- فأرسل إليه الخليفة حاكم سرقسطة "محمد بن هشام التجيبي" بجيش ليصده، فاستطاع أن يفرق جموعهم، ويمزقهم عند الثغور.

- قائد واحد لمنطقة واحدة بجيش وحده يوقع الهزيمة بالأعداء ويجعل الثغور الإسلامية في أمان، هذا إذا كان المسلمون قد أخذوا بالاستعداد الدائم فلم يركنوا إلى الدنيا، يرهبون بقوتهم عدو الله وعدوهم.

 

4- توجه "محمد بن هشام التجيبي" بأمر من المستنصر  بجيش إلى "برشلونة" عام 352هـ فخربها على أهلها ودمرها حتى لا يعودوا إلى العدوان أو يفكروا به.

 

5- وفي العام نفسه تمكن "غالب بن عبد الرحمن الناصري" بجيش أن يفتح حصناً يدعى "قَلهْرة" ويضمنه إلى حكم الأندلس، وكان قلعه لنصارى "لبشنكس" ومقراً لهم للهجوم على الثغور الحدودية للمسلمين.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

الخليفة ابن نصر الأحمر وخلفاء الدولة في صورة على سقف قصر الأسود في غرناطة في نهاية القرن 14م

 

* عام 352هـ - 963م مملكة ليون النصرانية:

- أما في مملكة ليون فقد جرت أحداث بين ملكها "شانجة الأول" وبين ابن عمه "أردون الرابع" الذي كان قد خلع عن الملك، ويريد الأخير أن ينتزع الملك من الأول، لذلك أسرع "أردون" إلى الحكم المستنصر يرجوه المساعدة، ولكن عاجله أمر الله فمات وهدأت الأحداث، إلا أن "شانجة" أرسل إلى الحكم يرجوه المسامحة والصفح عما كان منه في الحوادث ضد ثغور المسلمين، ويظهر له الخضوع.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

صندوق من العاج مزخرف بالحيوانات في مدينة الزهراء

 

* عام 355هـ - 966م النورمان يغزون من البحر:

- وظهر النورمان من جديد، ففي عام 355هـ إذ ورد كتاب من حاكم منطقة قصر "أبي دانس" على المستنصر بالله يذكر فيه ظهور أسطول المجوس "النورمان" بثمانية وعشرين مركباً، فخرج أسطول إشبيلية إليهم عن طريق النهر ثم البحر فاشتبك الأسطولان في وادي "شِلْب" بحيث تمكن الأسطول الأندلسي من تحطيم عدة مراكب لهم، وردّ النورمان على أعقابهم خاسرين.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

أسطول الأندلس يحطم سفن النورمان

 

* الصراع مع الفاطميين:

- سيطر العبيديون "الفاطميون" في عام 358هـ على مصر وجعلوها مقراً لهم لإخضاع العواصم الإسلامية حتى إنهم سموا عاصمتهم باسم "القاهرة" آملين بذلك أحلامهم، ثم تقدموا نحو الحجاز وبلاد الشام، وظهر تهديدهم للأندلس وكانت مدينة سبتة بيد الخلافة الأندلسية "الأموية" فأرسل المستنصر جيشاً فتح طنجة أيضاً وجعلها تابعة للأندلس، ليمنع الأندلس من طمع العبيديين.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

قرطبة ، المسجد الكبير ، منظر من طرف آخر

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

جرة ضخمة مذهبة صمدت خلال القرون لتشهد على المدنية التي وصلت إليها غرناطة

 

* عام 361هـ - 982م النورمان من جديد:

- عاد النورمان على الهجوم على السواحل الأندلسية بين عامي 361هـ - 360 وكانوا قد هجموا قاصدين المرية، فأصدر الخليفة المستنصر بالله الأمر إلى قائد أسطول المرية، وإلى أمراء البحر الآخرين الذين ردوا غزوة النورمان، فانصرفوا خائبين كما قدموا، وردّهم الله ولم يصيبوا شيئاً، وكان آخر هجوم لهم.

 

* عام 361هـ -972م ثورة البربر:

- ظهر أمر خطير للغاية عام 361هـ إذ ثار البربر، وهم سكان البلاد أصلاً على الحكم العبيدي (وهذا اسم يذكره مؤرخونا عن الفاطميين تنزيهاً عن نسبتهم لفاطمة الزهراء رضي الله عنها وذلك لانحرافهم)، وأرسلوا إلى الحكم إلى الحكم المستنصر في الأندلس يطلبون المساعدات منه، ويسألونه النصرة، فلم يتوان المستنصر بالله من إرسال المدد السريع إليهم، واستطاع هذا التحالف البربري الأموي من إخراج الفاطميين من المغرب، وأن يقتلوا الحاكم  الفاطمي هناك، ويبسطوا سيطرتهم على الشمال الإفريقي.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

حوض مياه صغير من الحجر مزخرف ومنحوت

 

* عام 361هـ - 972م ظهور الأدارسة:

- لكن الفتنة ثانية ظهرت بين البربر أنفسهم، إذ قامت  مجموعة منهم مجموعة منهم يطلقون على أنفسهم الأدارسة ثاروا على الأمويين والبربر حلفائهم فأخرجوهم  من المغرب وسيطروا على "طنجة"، خشي الخليفة الحكم أن يتطور شأن الأدارسة فأرسل أسطوله البحري بقيادة أمير البحر"عبد الله بن ماسح"، فهاجم أسطول طنجة، التي يحكمها الأدارسة وقائدهم "الحسن بن مكنون".

- دافع الحسن عن مدينة طنجة وجماعته دفاع المستميت، لكن الغلبة كانت للأسطول الأموي فبسط السيطرة على طنجة مرة أخرى، وفر الحسن بن مكنون إلى حصن آخر يدعى "حصن النّسر"، فتوجه الجيش الأموي بقيادة "غالب بن عبد الرحمن" لتصفية  هذا الجيب وغيره من الحبوب العائدة للأدارسة، وطلب حشد القوات عنده من شتى أنحاء المغرب، وكان من بين الحشود جندي مغمور لا يعرف من قبل، ولا يؤبه له، جندي عادي صغير، يدعى محمد بن أبي عامر جاء لمساندة القائد غالب بن عبد الرحمن، وسيكون له شأن في تاريخ الأندلس.

- تمكنت القوة الأموية من تفريق الأدارسة بعد  حصار شديد، ووقع الحسن بن مكنون أسيراً بيدها فأرسل إلى قرطبة، ويقال إن غالب بن عبد الرحمن قد أغرى جنود الحسن بالمال فتفرقوا عنه.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

الحسن بن مكنون قائد الأدارسة

 

* نفي الحسن بن مكنون:

- أمر وزير بني أمية جعفر بن عثمان المصحفي في قرطبة عام 365هـ بإخراج الأسير الحسن بن مكنون من الأندلس إذ أنه لا يزال يحمل فكر التمرد والثورة، فأرسل إلى تونس "إفريقية" فرفض حاكمها إبقاءه هناك فأبعد إلى مصر حيث استقبله العزيز الفاطمي، وسيكون له ذكر في المستقبل.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

فسيفساء دقيقة وجميلة

 

* عام 365 هـ - 976م ظهور محمد بن أبي عامر:

- ظهر شأن محمد بن أبي عامر ذلك الجندي البسيط في قتال الأدارسة حول حصن النسر وغيره، فَعَلا، ورفعت مكانته، ورقي في المناصب حتى أصبح مديراً للشرطة في العاصمة قرطبة أي أنه أصبح الرجل الرابع في الخلافة:

1- الخليفة الحكم المستنصر.

2- الوزير جعفر المصحفي.

3- قائد الجيش غالب بن عبد الرحمن الناصري.

4- قائد الشرطة محمد بن أبي عامر.

 

- توفي الحكم المستنصر عام 366هـ بعد أن دامت خلافته خمس عشرة سنة وسبعة أشهر، من 350-366هـ.

 

الحكم بن عبد الرحمن الناصر(المستنصر)

لوحة جنائزية على شكل محراب مصنوعة من الرخام

مواضيع ذات صلة

المنذر بن محمد عبد الرحمن الأندلس التاريخ المصور المنذر بن محمد عبد الرحمن

إضف تعليقك

فضلا اكتب ماتراه فى الصورة

تعليقات الزوار (1)

ملاحظة للأخوة الزوار : التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع لفلي سمايل أو منتسبيه، إنما تعبر عن رأي الزائر وبهذا نخلي أي مسؤولية عن الموقع..

أبو عمر

تاريخ رائع لماض زاهر بالجهاد والعلم فيا ليته يعود :(